جاء المطر هذا العام مبكرًا، وكأنه يعتذر عن غيابه الطويل. خرج الأطفال حفاة إلى الشارع الترابي، وصاروا يقفزون في البرك الصغيرة، بينما وقفت النساء على الأبواب يرفعن الثياب عن الأرض ويضحكن. جدتي وحدها لم تخرج. جلست على عنقريبها في الحوش، ورفعت وجهها إلى السماء، وتركت المطر يغسل تجاعيدها واحدة واحدة. سأل...
يلفت انتباهي في رواية الطيب صالح أن الراوي يبقى بلا اسم حتى الصفحة الأخيرة. نعرف مصطفى سعيد باسمه الكامل وتاريخه وجرائمه، بينما الرجل الذي يحكي لنا كل شيء يظل ظلًا. هذا الاختيار ليس صدفة. الراوي هو نحن: الجيل الذي عاد من الشمال بشهادة ولغة جديدة، ولم يعد يعرف أين يقف. حين يغرق في النيل في المشهد الأ...
كل من كتب في قروب واتساب يعرف هذه اللحظة: تنشر نصًا تعبت عليه، فيصلك إعجابان ووجه ضاحك، ثم يغرق النص تحت خمسين رسالة عن موعد اللقاء القادم. المشكلة ليست في الناس. المشكلة في الأداة. واتساب صُمم للحديث المتتابع، والنص الأدبي يحتاج مساحة ثابتة يعود إليها القارئ، وأرشيفًا يثبت أنك كتبت، وتعليقًا يخبرك...
كان أبي يقول إن قطار الساعة السادسة لا يتأخر إلا إذا كان يحمل خبرًا حزينًا. لذلك كنت أقف على رصيف محطة عطبرة كل مساء، أعدّ الدقائق كما تعدّ أمي حبات المسبحة. في ذلك اليوم تأخر القطار عشرين دقيقة. رأيت الناظر يمسح جبينه بطرف عمامته، ورأيت بائعة الشاي تطفئ الفحم قبل موعده. لم يقل أحد شيئًا، لكن المحطة...
أمشي على ملح المدينة حافيًا والريحُ تكتبني على الجدرانِ لي في الزحام نوافذٌ مكسورةٌ ولي انتظارٌ ليس يعرفُ ثاني يا نيلُ، خذني حيث كنتُ صغيرًا أبني من الطين القديم مكاني فالعمرُ يمضي كالقطارِ ولم أجد في أي محطةٍ نسيتُ زماني
كان أبي يقول إن قطار الساعة السادسة لا يتأخر إلا إذا كان يحمل خبرًا حزينًا. لذلك كنت أقف على رصيف محطة عطبرة كل مساء، أعدّ الدقائق كما تعدّ أمي حبات المسبحة. في ذلك اليوم تأخر القطار عشرين دقيقة. رأيت الناظر يمسح جبينه بطرف عمامته، ورأيت بائعة الشاي تطفئ الفحم قبل موعده. لم يقل أحد شيئًا، لكن المحطة...
كل من كتب في قروب واتساب يعرف هذه اللحظة: تنشر نصًا تعبت عليه، فيصلك إعجابان ووجه ضاحك، ثم يغرق النص تحت خمسين رسالة عن موعد اللقاء القادم. المشكلة ليست في الناس. المشكلة في الأداة. واتساب صُمم للحديث المتتابع، والنص الأدبي يحتاج مساحة ثابتة يعود إليها القارئ، وأرشيفًا يثبت أنك كتبت، وتعليقًا يخبرك...
يلفت انتباهي في رواية الطيب صالح أن الراوي يبقى بلا اسم حتى الصفحة الأخيرة. نعرف مصطفى سعيد باسمه الكامل وتاريخه وجرائمه، بينما الرجل الذي يحكي لنا كل شيء يظل ظلًا. هذا الاختيار ليس صدفة. الراوي هو نحن: الجيل الذي عاد من الشمال بشهادة ولغة جديدة، ولم يعد يعرف أين يقف. حين يغرق في النيل في المشهد الأ...
كتبت لك رسالة طويلة البارحة، ثم مسحتها كلمة كلمة، كأنني أعتذر للحروف عن إزعاجها. لم يكن في الرسالة شيء مهم. كنت أريد أن أقول إن شجرة النيم أمام بيتنا أزهرت، وإن رائحتها تشبه رائحة الصباحات التي كنا نذهب فيها إلى المدرسة معًا. لاكن الأشياء الصغيرة هي أصعب ما يُقال. الكبيرة نقولها بسهولة لأننا تدربنا...
أمشي على ملح المدينة حافيًا والريحُ تكتبني على الجدرانِ لي في الزحام نوافذٌ مكسورةٌ ولي انتظارٌ ليس يعرفُ ثاني يا نيلُ، خذني حيث كنتُ صغيرًا أبني من الطين القديم مكاني فالعمرُ يمضي كالقطارِ ولم أجد في أي محطةٍ نسيتُ زماني
يلفت انتباهي في رواية الطيب صالح أن الراوي يبقى بلا اسم حتى الصفحة الأخيرة. نعرف مصطفى سعيد باسمه الكامل وتاريخه وجرائمه، بينما الرجل الذي يحكي لنا كل شيء يظل ظلًا. هذا الاختيار ليس صدفة. الراوي هو نحن: الجيل الذي عاد من الشمال بشهادة ولغة جديدة، ولم يعد يعرف أين يقف. حين يغرق في النيل في المشهد الأ...
في شارعنا بشبرا دكان صغير لا يبيع شيئًا تقريبًا. علب كبريت، وبعض البسكويت، وراديو قديم لا يتوقف عن إذاعة أم كلثوم. عم صابر لا يهتم بالبيع. يجلس على كرسي من الخيزران، ويسأل كل من يمر عن أحواله، ويتذكر أسماء الأطفال وأسماء آبائهم وأجدادهم. حين أُغلق الدكان أسبوعًا كاملًا، اكتشف الشارع أنه فقد شيئًا لا...
الانتظار ليس فراغًا كما يظنون. الانتظار امتلاء بشيء لم يأتِ بعد. حين تنتظر رسالة، يصير الهاتف أثقل في يدك. حين تنتظر شخصًا، يصير الباب أكبر من حجمه. وحين تنتظر نفسك، تصير الأيام كلها متشابهة كحبات رمل في كف مفتوحة. تعلمت أن أنتظر دون أن أعدّ. أن أعيش اليوم كاملًا، ثم أنام، ثم أستيقظ دون أن أسأل: هل...
أغلبنا يكتب على الهاتف اليوم، في المواصلات وفي طابور الخبز وقبل النوم. والهاتف ليس عدوًا للكتابة كما يقال، لكنه يحتاج عادات مختلفة. أولًا، اكتب المسودة كاملة قبل أن تصحح. التصحيح أثناء الكتابة يقطع الفكرة. ثانيًا، اجعل الفقرات قصيرة. ما يبدو فقرة معقولة على الحاسوب يصير جدارًا من الحروف على شاشة صغي...
تعجنُ أمي الفجرَ في صحنٍ قديمْ وتقولُ: يا ولدي، الرغيفُ صلاةْ كانت تُقسّمُهُ علينا بالتساوي وتأكلُ آخرَ ما تبقّى من فُتاتْ واليومَ أملكُ ألفَ خبزٍ في المدينةِ ولا رغيفَ يُشبهُ تلكَ الحياةْ
جاء المطر هذا العام مبكرًا، وكأنه يعتذر عن غيابه الطويل. خرج الأطفال حفاة إلى الشارع الترابي، وصاروا يقفزون في البرك الصغيرة، بينما وقفت النساء على الأبواب يرفعن الثياب عن الأرض ويضحكن. جدتي وحدها لم تخرج. جلست على عنقريبها في الحوش، ورفعت وجهها إلى السماء، وتركت المطر يغسل تجاعيدها واحدة واحدة. سأل...